الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
295
مختصر الامثل
على نوح وإبراهيم ، وهلمّ جرّا حتى إنتهى إلينا . فنزلت الآية . والآخر : صلاته باتّجاه الكعبة فكانوا يقولون : بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنّه مهاجر الأنبياء والأرض المقدسة . وقال المسلمون بل الكعبة أفضل . فجاءت الآيات الثلاثة تردّ على إنكارهم للأمر الأوّل وتفند زعمهم ، بينما تكفلت الآيات القادمة الردّ على اعتراضهم الأخير . التّفسير صرحت الآية الأولى من هذه الآيات الثلاث بتفنيد كل المزاعم اليهودية حول تحريم بعض أنواع الطعام الطيب ( مثل لحوم الإبل وألبانها ) وردت على هذه الكذبة بقولها : « كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِى إِسْرَاءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَاءِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَيةُ » « 1 » . إنّ المستفاد من الروايات الإسلامية هو أنّ يعقوب أخذه وجع العرق الذي يقال له عرق النسا « 2 » فنذر إن شفاه اللَّه أن يحرم العروق ، ولحم الإبل ، وهو أحبّ الطعام إليه . فاقتدى به أتباعه في هذا ، حتى اشتبه الأمر على من أتوا من خلفهم فيما بعد فتصور بعض أنّه تحريم إلهي ، فنزلت الآية وتصرّح بأنّ نسبة هذا التحريم إلى اللَّه سبحانه محض اختلاق . وتأكيداً لهذه الحقيقة أمر اللَّه نبيّه في هذه الآية أن يطلب من اليهود بأن يأتوا بالتوراة الموجودة عندهم ويقرأوها ليتبين كذب ما ادعوه ، وصدق ما أخبر به اللَّه حول حلية الطعام الطيب كله إذ قال : « قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَيةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ » . ولكنهم أعرضوا عن تلبية هذا الطلب لعلمهم بخلو التوراة عن التحريم الذي ادعوه . والآن بعد أن تبين كذبهم وافتراؤهم على اللَّه لعدم استجابتهم لطلب النبي بإحضار التوراة ، فإنّ عليهم أن يعرفوا بأنّ كل من افترى على اللَّه الكذب استحق وصف الظلم ، لأنّه بهذا الافتراء ظلم نفسه بتعريضها للعذاب الإلهي ، وظلم غيره بتحريفه وإضلاله بما افترى ، وهذا هو ما يعنيه قوله سبحانه في ختام هذه الآية : « فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ » .
--> ( 1 ) « إسرائيل » : هو الاسم الآخر ليعقوب . ( 2 ) « عرق النسا » : ألم عصبي يمتد على مسار العصب الوركي من الالية إلى معصم القدم ويشتد هذا الألم جدّاًإذا ما ثنيت الساق الممتدة عند مفصل الحوض ( الموسوعة العربية الميسرة ) .